سنشتري هذا العام مازوتاً… سورية وزوجها يؤثِران تدفئة أطفالهما على هدية «عيد الحب»

سنشتري هذا العام مازوتاً… سورية وزوجها يؤثِران تدفئة أطفالهما على هدية «عيد الحب»

«الأولويات تغيّرت، والتقشف سمة المرحلة الحالية»… هكذا وصفت السورية هديل الشامي الوضع في بلدها، والذي جعلها تستجيب لأولويات المرحلة، وتكتفي بشراء قنّينة عطر بخسة الثمن لتهديها لزوجها في «عيد الحب» أو «الفلانتاين» هذا العام؛ فأي هديّة أخرى وإن كانت بسيطة قد تكلفّها راتب شهرين على الأقل.

في حوار أجرته معها «وكالة أنباء العالم العربي»، قالت الأستاذة الجامعية إنها وزوجها سيبتاعان أيضاً بضع ليترات من المازوت ليؤمنّا التدفئة لأطفالهما الثلاثة، بدلاً من الملابس التي اعتادوا إهداءها لبعضهما البعض في هذه المناسبة من قبل، بالإضافة إلى تلك القنينة التي تكلفتها 50 ألف ليرة (أي نحو 3.7 دولار أميركي).

أشارت هديل إلى أن معظم من كانوا ينتظرون هذه المناسبة تجاوزوا الهدايا مُرغمين؛ أمّا من غامر بتقديم هدية، فقد تجاهل تلك الباهظة الثمن، والتي جرت العادة على أن تكون من بينها الملابس والإكسسوارات ومستحضرات التجميل.

في شارع الحمراء بالعاصمة السورية دمشق، وقف الشاب الثلاثيني ماهر كنعان دقائق عدة للتعرف على الأسعار في محل لبيع الساعات النسائية حتى يشتري لخطيبته هديّة بهذه المناسبة.

ماهر، الذي يعمل موظفاً في أحد المصارف الحكومية، قال في حوار مع «وكالة أنباء العالم العربي» إن أسعار أكثر الهدايا تواضعاً تبدأ من 100 ألف ليرة، وتصل إلى 400 ألف، وهو ما يعادل راتب شهر كامل بالنسبة له.

أمّا رامي عويشة (38 عاماً)، وهو موظف في إحدى الشركات الخاصة بدمشق، فيرى أن الاحتفال بأي مناسبة في ظل غلاء المعيشة وتدهور الوضع الاقتصادي بات «أمراً غير مفهوم».

وقال رامي لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن الغلاء «الذي طال حتى الهدايا الرمزية» دفع كثيرين ممن يعرفهم إلى التعبير عن حبّهم بطريقة مختلفة تبعاً للأولويات، كتأمين المحروقات أو شراء جرة غاز من السوق السوداء، وهي أمور يجدها منطقية أكثر في الوقت الحالي من شراء الهدايا المعتاد تبادلها في هذه المناسبة.

الأسر انصرفت إلى الأولويات المعيشية وشراء السلع الأساسية بسبب الغلاء (وكالة أنباء العالم العربي)

إقبال ضعيف

في أحد الممرات الضيقة بين بنايات منطقة القصاع بدمشق، يعمل أيمن حمصي في محل شهير لبيع الزهور، حيث اعتاد إعداد بعض باقات الزهور والهدايا في هذه المناسبة. وتُباع الباقة الواحدة، التي تضم 15 وردة فقط وعدداً من حبات الشوكولاته، مقابل 300 ألف ليرة.

وقال أيمن إن مبيعات الزهور تراجعت بنسبة 80 بالمائة، حيث بات معظم الزبائن لا يشترون باقة كاملة في عيد الحب، ويكتفون بشراء وردة واحدة أو اثنتين على الأكثر، بينما أصبح من يعملون في الخارج فقط هم الأكثر قُدرة على الشراء «حيث يتصلون ويحوّلون المال المطلوب لإرسال باقات الورد إلى أحبتهم».

في الشارع نفسه، كان الشاب الثلاثيني نادر المنصور يجلس أمام محله الذي يبيع فيه الهدايا والتذكارات، منتظراً قدوم الزبائن.

وقال الشاب: «نُعاني حالة ركود كبيرة هذا العام؛ فالأسر انصرفت إلى الأولويات المعيشية، وشراء السلع الأساسية بسبب الغلاء»، مشيراً إلى أن العام الماضي حمل موسماً سيئاً أيضاً، بسبب حالة الحزن التي سيطرت على السوريين بعد زلزال السادس من فبراير (شباط) من ذلك العام.

وأوضح أن أكثر الهدايا شهرة في هذه المناسبة تكون الدُّمى أو الورود الحمراء؛ لكنه قال إن «الدبدوب (الدمية على شكل دُب) كبير الحجم، أي بطول متر فأكثر، يتجاوز سعره حالياً 1.8 مليون ليرة سورية، في حين أسعار ذات الحجم الصغير (في حجم اليد) تبدأ من 80 ألف ليرة سورية، والمتوسطة الحجم تبدأ من 200 ألف، وصولاً إلى 900 ألف ليرة سورية».

وأضاف: «هذه الأسعار دفعت بعض الأشخاص للاستعاضة عنها ببدائل أقل تكلفة لتقديمها هدية بهذه المناسبة، ومثال ذلك شراء إطارات الصور أو ساعة أو شمعة حمراء يتراوح سعرها بين 60 ألفاً و120 ألف ليرة سورية حسب الحجم، وهناك بعض الأشخاص ممن يلجأون لشراء صندوق خشبي وبداخله ورد مجفف وقطعة شوكولاته بتكلفة لا تتعدى 150 ألف ليرة».

التقشف سمة المرحلة الحالية (وكالة أنباء العالم العربي)

سهرات باهظة التكلفة

في الوقت نفسه، تحفل مواقع التواصل الاجتماعي بإعلانات عن حفلات غنائية في مختلف المناطق لمطربين في فنادق ومنتجعات سياحية بمناسبة عيد الحبّ؛ لكن تكلفة غالبيتها للشخص الواحد تعادل ضعف الحد الأدنى للأجور، البالغ 278 ألفاً و910 ليرات سورية شهرياً.

مؤيد العلبي، الذي يعمل مهندس اتصالات في إحدى الشركات الخاصة، قال بدوره إن تكلفة البطاقة الواحدة لتناول العشاء أو الغداء في أحد المطاعم تبدأ من 30 دولاراً وتصل إلى 50 دولاراً، في حين أن البطاقات الخاصة بالسهرات الفنية التي يحييها مطربون لا يقل سعر الواحدة منها عن 60 دولاراً، وتصل إلى 200 دولار لحفلات يحييها فنانون من الخارج.

وأمام هذه الأرقام، يشير مؤيد إلى أنه سيكتفي بإحضار بعض الحلوى والموالح والتوجه إلى منزل خطيبته للاحتفال هناك مع تقديم سلسلة ذهبية «تبقى ذكرى جميلة ودائمة، بدلاً من إهدار المال على حفلات باهظة لن يبقى منها إلا الصور».

وترى الدكتورة سهى عطا الله، المتخصصة في علم الاجتماع، أن تدهور الوضع المادي للكثير من الأسر السورية أسهم في «تغييب ثقافة التهادي عموماً، وتبادل الهدايا بين الأزواج خصوصاً».

وقالت: «الهديّة، أياً كان نوعها وثمنها، تسعد الطرف الآخر، وهي سعادة تأخذ منحى تصاعدياً مع مرور الوقت… هذا العيد له آثار إيجابية على الصعيد الاجتماعي من خلال التواصل الإنساني الراقي الذي فقدناه اليوم نتيجة التحول الرقمي والظروف الاقتصادية الصعبة».

ويعاني السوريون ظروفاً معيشية ضاغطة على نحو غير مسبوق منذ اندلاع الصراع وبداية الأزمة الاقتصادية في البلاد قبل 12 عاماً؛ ويعيش 90 بالمائة منهم تحت خط الفقر، وفق ما أعلنته اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» في يونيو (حزيران) الماضي.

وارتفع متوسط تكاليف المعيشة لعائلة مكونة من 5 أفراد في سوريا إلى أكثر من 12 مليون ليرة (أي نحو 909 دولارات أميركية) مع بداية هذا العام، بعد أن كان في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي نحو 9.5 مليون ليرة، وفقاً لجريدة (قاسيون) المحلية.

(الدولار الأميركي يُساوي 13200 ليرة سورية في السوق الرسمية).

المصدر

seo

سنشتري هذا العام مازوتاً… سورية وزوجها يؤثِران تدفئة أطفالهما على هدية «عيد الحب»

التعليقات معطلة.