“أوكرانيا الأخرى”… منصة تضليل مؤيدة لروسيا يديرها ثري أوكراني في المنفى

“أوكرانيا الأخرى”… منصة تضليل مؤيدة لروسيا يديرها ثري أوكراني في المنفى

من روسيا، حيث وجد ملجأ له، يستخدم فيكتور ميدفيدتشوك، وهو أحد كبار الأثرياء (أوليغارك) من أصل أوكراني مقرب من فلاديمير بوتين وذو سمعة سيئة في بلاده، شبكته وموارده لنقل أطروحات الدولة الروسية حول أوكرانيا والحرب. وهي مؤسسة تضليل غير فعالة حتى الآن في المشهد الأوكراني.

نشرت في:

11 دقائق

الصورة لا لبس فيها: “الفساد في أوكرانيا هو السبيل الوحيد لتقدم نظام زيلينسكي”، “روسيا هي الفرصة الوحيدة لخلاص أوكرانيا”، “لقد أرادوا إحضار الناتو للبلاد وها هم على وشك الموت من أجل مصالح الغرب”. كل يوم، تغزو الشبكة جمل جديدة مؤثرة يتم نشرها على “أوكرانيا الأخرى”، وهي بوابة ناطقة بالروسية تم إطلاقها خلال صيف عام 2023.

يقودها رسميا فيكتور ميدفيدتشوك، الشخصية المركزية للشبكات الموالية للكرملين في أوكرانيا ما بعد الاتحاد السوفياتي، ولكن تتم إدارتها وتنظيم العمل عليها خلف الكواليس من قبل “وكالة التصميم الاجتماعي” بقيادة إيليا غامباتشيدزه، وهو تكنوسياسي روسي ضالع في حملات التضليل الروسية الأخيرة التي تستهدف الرأي العام الدولي. تدعي هذه المنصة الرقمية أنها “توحد القوى القادرة على قلب الأوضاع وإخراج الشعب الأوكراني من المأزق الذي وجد نفسه فيه”.

فيكتور ميدفيدتشوك ليس إذن لاعبا مغمورا في مجال التلاعب والتضليل. فعلى مدار 20 عاما، عمل الثري الأوكراني مروجا لمصالح موسكو في بلاده، على المستوى السياسي وكذلك من داخل وسائل الإعلام. وقد كفل له قربه من فلاديمير بوتين كراهية عميقة تجاهه من قبل مواطنيه. يعرف الرجلان، وهما من الجيل نفسه، بعضهما بعضا منذ أوائل أعوام 2000. كان بوتين قد وصل لتوه إلى السلطة في روسيا، من جانبه، ترأس ميدفيدتشوك حكومة الرئيس الأوكراني ليونيد كوتشما.

أخذت علاقتهما بعدا شخصيا عندما أصبح بوتين عراب ابنة رجل الأعمال، وهو رابط يحب التأكيد عليه لإظهار مدى أهميته لرجل روسيا القوي. إضافة لذلك، فإن عرابة ابنته أيضا هي سفيتلانا ميدفيديفا، زوجة الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف.

يفترض هذا النسب الرمزي وجود علاقة ولاء متبادلة بين جميع الأطراف وهو ما يفسر بلا شك تدخل الكرملين لتحرير فيكتور ميدفيدتشوك في عام 2022 بعدما ألقت القوات الأوكرانية القبض على الثري الهارب ميدفيدتشوك بعد انتهاك قرار إقامته الجبرية. تسبب القبض على “الخائن”، كما يطلق عليه في بلاده، في ضجة كبيرة: فقد كان رجل الأعمال يرتدي ملابس تنكرية مموهة وبدا أشعث وضعيفا، مما جعله أضحوكة البلاد.

اقرأ أيضاإيليا غامباتشيدزه: جندي بسيط من جنود آلة التضليل الإعلامي الروسية أم قائد الكتيبة؟

ثم ابتسم له الحظ في سبتمبر/أيلول 2022 عندما تم إدراج اسمه في صفقة لتبادل الأسرى. استعادت كييف في هذه الصفقة 215 جنديا، مقابل 55 شخصا استعادتهم موسكو. الصفقة غير متوازنة ولكن روسيا قبلتها عملا بالمثل المحلي القائل: “نحن لا نتخلى عن بعضنا”.

ميدفيدتشوك يعود إلى الخدمة

في روسيا، بالمناسبة، ينضم ميدفيدتشوك إلى فيكتور آخر يكلله العار في بلاده، الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش الذين أدين غيابيا بالخيانة العظمى. يانكوفيتش هذا الذي أطاحت به ثورة ميدان (2013-2014)، لم يسع أبدا بعدها إلى العودة إلى اللعبة السياسية. لكن وجودهما معا على الأرض الروسية لم يكن عاملا مهما في حدوث أي تقارب بينهما. أدرك فيكتور ميدفيدتشوك، البالغ من العمر 69 عاما، بعد تجريده من جنسيته الأوكرانية، أن زمنه قد ولى وأنه لم يعد لديه مستقبل في بلاده. فقد أنهى غزو روسيا لأوكرانيا، فبراير/شباط 2022، نفوذ القوى السياسية الموالية لموسكو في البلاد. وتم حظر منصة المعارضة “من أجل الحياة”، وهو حزب شارك ميدفيدتشوك في تأسيسه، كما تم تعليق القنوات التلفزيونية الثلاث التي كان يسيطر عليها رسميا.

لقد أغضب ذلك بوتين بشدة، “لقد اعتبرها إهانة شخصية له”، كما يؤكد أحد المقربين له منذ فترة طويلة مشترطا عدم الكشف عن هويته، حسبما نقلت وسيلة الإعلام الروسية “فيرستكا” في تحقيق لها. “لقد كان وجود ميدفيدتشوك وقنواته هو ما كفل دور الوسيط وشكل الأمل في حل المشكلة بالطرق السياسية”. وبفقدانه فقد الكرملين شبكات نفوذه في بلد كان يتحرك بعيدا عن مداره. وفقا لفيرستكا، كان بوسع فيكتور ميدفيدتشوك نفخ الروح في الأيديولوجية الموالية للزعيم الروسي: من خلال طمأنة الأخير على المزاج المستمر المؤيد لروسيا في أوكرانيا والدعم الشعبي المتواصل الذي كان يتمتع به شخصيا.

الثري الأوكراني فيكتور ميدفيتشوك، رئيس حزب سياسي معارض موال لروسيا، خلال اجتماع مع فلاديمير بوتين في سانت بطرسبرغ، 18 يوليو/تموز 2019. © سبوتنيك/ أ ف ب/ أرشيف

خطأ التقدير لن يكون قاتلا له، لأنه عندما تحاول الإدارة الرئاسية الروسية استعادة السيطرة، سيظل فيكتور ميدفيدتشوك هو المكلف “بالمسألة الأوكرانية” وذلك بهدف فرض سردية بديلة. وإذا كان الرجل محتقرا في أوكرانيا، فإنه لا ينظر إليه باعتبار كبير في روسيا أيضا. لكن “إخلاص ميدفيدتشوك وولاءه يمثلان عاملين حاسمين في تفسير سبب اعتماد بوتين الدائم عليه”، كما يعتقد الصحافي الأوكراني ماكسيم سافتشوك، مؤلف كتاب مكرس لعلاقات القلة الثرية (الأوليغارشية) في أوكرانيا.

في يناير/كانون الثاني 2023، خرج ميدفيدتشوك عن صمته بالتوقيع، في صحيفة إزفستيا الروسية، على مقال رأي يعرض فيه الأطروحات الرئيسية للمعسكر الروسي. واضعا نفسه كممثل “لحزب السلام” ضد النخبة الأوكرانية العدوانية المتبنية لإيديولوجية “النازية الجديدة” التي يتلاعب بها الغرب. وباتت وسائل الإعلام الحكومية الروسية هي المسؤولة عن تدعيم مكانته، حتى أن القناة الأولى في روسيا ما فتئت تقدمه على أنه “أحد أشهر المعارضين في أوكرانيا”.

“إخراج الشعب الأوكراني من المأزق”

مع حرمانه من موارده الإعلامية وفقدانه لمصداقيته في أوكرانيا، فقد تعهد مع ذلك بمواصلة أنشطته في التأثير والتضليل من المنفى. وعلى خلاف فيكتور يانوكوفيتش، الذي هو بالتأكيد مدير جيد، فإن فيكتور ميدفيدتشوك لديه الكثير من الأفكار. فالرجل على الرغم من كونه مدينا للكرملين لكنه ينوي، وفقا لأندريه بيرتسيف الصحافي في ميدوزا، الاستفادة من وضعه المتميز بالقرب من فلاديمير بوتين. يقول هذا الخبير الرفيع في الممارسات السياسية الروسية: “إنه يجادل بمزايا نهجه للحصول على الأموال المخصصة والتفاوض على أعمال جديدة في روسيا”.

وتتشكل جل طموحاته في إطار مشروع “أوكرانيا الأخرى”. رسميا، تعتبر جمعية عامة، يقع تمثيلها القانوني في وسط موسكو، على بعد أمتار قليلة من وزارة الخارجية. يقول الصحافي ماكسيم سافتشوك إن هذه الجمعية، التي اختارت المعلومات كمجال عملها، “تحاول التفاعل مع الأوكرانيين ذوي القناعات الموالية لروسيا، داخل أوكرانيا وخارجها”.

اقرأ أيضاما هي وظيفة التكنو-سياسي… محرك الدمى في النظام السياسي الروسي؟

يتكون الفريق العامل بها من صحافيين ومعلقين من القناة 112 السابقة، التي أغلقتها السلطات الأوكرانية، ولكن أيضا من شخصيات سياسية سيئة السمعة وتكنوسياسيين باحثين عن آفاق جديدة. جميعهم تقريبا متهمون بدعم النزعة الانفصالية أو الخيانة. لا تزال طبيعة المشروع غير واضحة: تُعرِّف “أوكرانيا الأخرى” نفسها على أنها “حركة” يمثلها فيكتور ميدفيدتشوك “كرئيس لمجلس إدارتها”. يضيف صحافي راديو سفوبودا: “يبدو لي أنهم هم أنفسهم لا يعرفون بالضبط الغرض الحقيقي من كل ذلك”.

على الموقع، ينشر رجل الأعمال الثري بانتظام مقالات حول السياسة الداخلية الأوكرانية، وإدارة الحرب والتفاهم اللازم مع روسيا. لكن “ميدفيدتشوك ليس سوى الواجهة العامة لهذا المشروع”، كما يقول أنطون شيخوفتسوف، مدير مركز النزاهة الديمقراطية (النمسا). يؤكد الخبير أن استراتيجيته قد أوكلت إلى “وكالة التصميم الاجتماعي” التابعة لإيليا غامباتشيدزه، التكنوسياسي المنخرط في حملات التضليل الروسية الأخيرة التي تستهدف الرأي العام الدولي.

أطروحة تعتمد على المعلومات التي نشرتها في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي قناة على تطبيق تلغرام ومن الواضح أنها مطلعة جيدا على خفايا الأمور. بها ما يقرب من 900 ألف مشترك، تقوم قناة  @vchkogpu “بكشف أسرار المسؤولين، والقلة الثرية، ورجال العصابات والسيلوفيكي [أعضاء الأجهزة الأمنية الروسية – أسرة التحرير]”، ورفع الستار عن الاتفاق بين “وكالة التصميم الاجتماعي” والإدارة الرئاسية الروسية. تذكر الوثائق التي ينشرها هذا الحساب، والتي لا يمكن ضمان موثوقيتها، بالتفصيل طبيعة الخدمات وتكلفة كل منها.

اختبار الروايات المختلفة

“تهدف ’أوكرانيا الأخرى‘ إلى فهم أفضل للسكان الأوكرانيين الموالين لروسيا وضمان إقامة اتصال إعلامي معهم، بحسب أنطون شيخوفتسوف. إنها مسألة جس نبض وقياس رد الفعل على هذا السردية أو تلك”. الهوية المرئية للمشروع هي النصب التذكاري الشهير لبوهدان خملنيتسكي (1595-1657) المنتصب في وسط العاصمة الأوكرانية كييف. وهو اختيار مليء بالمعانى بالقدر الذي تثيره ذرية هذا الزعيم القوزاقي من الجدل. وإن كان البعض يعتبر هذا الأخير رمزا للدولة الأوكرانية، فإن “أوكرانيا الأخرى” تكرم فيه الشخص الذي طلب الحماية من موسكو. في الكتاب متعدد المؤلفين “التاريخ المشترك ، الذكريات المقسمة” (من إصدار أنتيبود) يُذكِّر المؤرخان فولوديمير ماسليتشوك وأندري بورتنوف بالنقش المكتوب باللغة الروسية، والذي ظهر في البداية على قاعدة النصب التذكاري: إنها “روسيا، موحدة وغير قابلة للتجزئة”، وهي الجملة التي كانت سببا في تكريمه.

“أوكرانيا الأخرى” هذه التي يتم الترويج لها في موسكو ينعقد شرطها الوحيد في الوجود بعلاقة ولاء غير مشروط تجاه روسيا. يحتل الدين أيضا، الذي له باب خاص به على الموقع، مكانا مهما في السردية المنتشرة. لكن بالنسبة إلى ماكسيم سافشوك، الذي يحقق في قضايا فساد لصالح راديو سفوبودا، فإن عملية التضليل الجديدة هذه ليس لها أثر يذكر. “في أوكرانيا، ينظر إلى هذا المشروع على أنه تجمع للمنبوذين الذين يدفع لهم ميدفيدتشوك بالروبل حتى يفعلوا الشيء ذاته الذي اعتادوا فعله منذ زمن ليس ببعيد على قنواته التلفزيونية المغلقة الآن”. فموقعها لا يمكن الوصول إليه في أوكرانيا بدون شبكة افتراضية خاصة، ويبدو أن مشروعها يستهدف أولا القاعدة السابقة الموالية لروسيا في البلاد، والتي ينقسم ممثلوها السياسيون أنفسهم.

تدير “أوكرانيا الأخرى” على وجه الخصوص “مراكز مساعدة” تهدف إلى مرافقة الأوكرانيين الموجودين مؤقتا في روسيا لكنهم يرغبون في الاستقرار هناك بشكل دائم. لكن “الحركة” تعتزم أيضا توسيع نفوذها إلى ما وراء أوكرانيا وروسيا: في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلنت عن افتتاح قسم في صربيا برئاسة دراغان ستانوجيفيتش، وهو شخصية موالية لروسيا في الطبقة السياسية وقام منذ فترة طويلة بكثير من الأعمال في أوكرانيا. “تعاون متبادل المنفعة في مجال المعلومات” بحسب ماكسيم سافشوك. “بالنسبة لستانوجيفيتش، هذا الفرع هو وسيلة أمام ناخبيه للظهور قريبا من بوتين، بالنسبة لميدفيدتشوك، يعد التعاون بينهما دليلا على أن منظمته مؤثرة وأنها تأخذ بعدا دوليا. وحقيقة أن وزارة الخارجية الأوكرانية طالبت بإغلاقها أعطت أهمية أكبر من اللازم لـ’أوكرانيا الأخرى‘ التي بدأ الجميع في الحديث عنها”.

لكن محاولة جعل فيكتور ميدفيدتشوك شخصية ملهمة للاحترام، ومعترف بها كمحاور موثوق أمام العالم الخارجي، تبدو وكأنها هدف طموح بصورة فريدة من نوعها. يقول أنطون شيخوفتسوف: “لا أعتقد أن ’وكالة التصميم الاجتماعي‘ ستكون قادرة على تحسين صورته، في حين يعد هذا الأمر عنصرا أساسيا لكي يكون المشروع فعالا”، “فيجب أن يكون وجه ’أوكرانيا الأخرى‘ شخصية تسعى وسائل الإعلام الدولية لمقابلتها، ويريد الناس الحصول على معرفة أفضل به. لكن في الواقع ليس هذا هو الحال”.

 

النص الفرنسي: إيتان بوش | النص العربي: حسين عمارة

المصدر

seo

“أوكرانيا الأخرى”… منصة تضليل مؤيدة لروسيا يديرها ثري أوكراني في المنفى

التعليقات معطلة.